top of page

التَّقدُّم إلى الوَراء
بقلم - أم عائشة 

حول مفهوم التقدّم

جهل، تخلّف، جمود، سخط، يأس .. ليست مجرد مصطلحات، بل هي معانِ ضربت جذورها فينا قروناً عدّة.. وللتقدّم والنهوض بالمجتمع، لابدّ من تغييرات عميقة تتماشى ومرجعية وفكرهذا المجتمع .. والحديث عن التقدم هو في الحقيقة شأن عالمي ولا يقتصر على بلدنا فحسب..
يقول الدكتور عبد الكريم بكار، المفكرالإسلامي وأستاذ في علوم التربية، يقول عن التقدم: "ومن المهم .. الإشارة إلى أن لفظة التقدم في الأساس هي لفظة محايدة، فالمرء قد يمضي نحو الأمام ويتقدم، ويكون متقدماً نحو جريمة، وقد يتأخر عن فعل شيء مشين، وقد يتراجع نحو الوراء، ويكون تراجعه عبارة عن توبة وتصحيح لخطأ وقع فيه، ومن هنا فإن تقدماً في اتجاه شيء من ماضينا قد ينطوي على خير كثير، وعلى ملامح نهضوية مهمة."
وإصلاح المجتمع لا يحتاج خطابات أو استعراضا للعضلات الكلامية ، ولا يحتاج منا اعتماد فكر المصطلحات القائم على ترويج شعارات رنانة ومصطلحات جوفاء لا تهدف إلا لبهرجة إعلامية واستمالة الأذان، ومن تمّ إيهام الناس أن إصلاحا قد تمّ دون أي أثر له في الواقع.. نحتاج إلى حلول جذرية لحلّ المشاكل من الأصل، فقد سئمنا السّطحية والمظهرية ليُقال عنّا كذا وكذا..

وضعية المرأة والتّقدّم..

ما مضى، كان كلاما عامّا ،الاّ اننا في مقالنا هذا ،نقصد به وضعية المرأة على وجه الخصوص لِمَا لها من إسهام عظيم في نهضة وتقدّم المجتمع ..
وإذا جعلها العصر الحديث نصف المجتمع فقط، فهي في الإسلام المجتمع كلّه: هي نصف المجتمع من جهة وهي التي تلد وتربّي النصف الآخر ..
لذلك يعتبر الاهتمام بوضعيتها، من بين الأساسيات والضروريات.. فجديرٌ بنا إذاً، الاكتراث بهذه القضية بعمق وصدق، دون الطمع في الدفاع عن حقوقها لتحقيق أغراض شخصية أو أجندات خارجية..

أَحقًّا تحتاج وضعية المرأة اهتماما ؟

تعتبر المرأة داخل المجتمع مستضعفة.. وهذا كان دوما شأنها باستثناء عصر خير القرون، حين أزهرت المرأة المسلمة وتمتّعت بكل حقوقها، وذلك تحت قيادة خير البشر عليه الصلاة والسلام ثم بقيادة من تبع هديه من الصحابة الكرام والتابعين.
وقد دافع النبي صلى الله عليه وسلّم عن حقوق المستضعفين في الأرض، بما فيهم النساء، بحقّ وهدى وليس بباطل وهوى. وكان من آخر وصايا الهُدى التي تركها لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم: "استوصوا بالنساء خيرا" .. كأنّ التقصير في ذلك نذير لعواقب وخيمة.. فهديه عليه الصلاة والسلام يعتمد أساسا على مبدأ الوقاية، لمن تشبّث به دون تحريف.. فكيف نَحيد عن منهجه المُنصِف للمرأة ونجري وراء قوانين وضعية أهلكت المرأة أكثر ممّا خدمت قضيتها؟!

بعد سلسلة من الإصلاحات، أيمكنُ الجزم بأنّ وضعية المرأة في مجتمعنا تقدّمت نحو الأفضل ؟

إذا رأينا كل ما يسمّى بالإنجازات والمكتسبات التي حقّقتها المرأة في مجتمعنا استنادا على قوانين وضعية (قد تتوافق مع الشرع في بعضها وقد تتعارض معه في عدّة منها).. لو نظرنا بعمق : لرأينا أنّ مع كل مطلب ومكتسب خسارات أحيانا قد لا يُرى حجمها إلا بعد مُضيّ سنوات .. وتساؤل يفرض نفسه: أهذا التّقدّم أعاد للمرأة كرامتها ومجدها ؟ أم أنّه أدخل تغييرات شكلية مصحوبة بمآسي خفيّة تزيد الوضع سوءاً ؟
حتى نكون صرحاء مع أنفسنا : نعم المرأة في عصرنا بتشبّهها بنظيرتها الغربية تقدّمت.. وهذا لا نُنكره؛ إلا أنّ تقدّمها هذا كان مفاده تدهورا وخسائر جمّة.. وهذا ما سنحاول تفصيله في مقالات قادمة بإذن الله..

ما هو التقدّم الذي ننشده إذاً؟!

نحنُ نحتاج تقدّما فعليا، مفاده إصلاحا حقيقيا لوضعية المرأة ،باسترجاعها حقوقها الضائعة التي ضمنها لها الإسلام.. وهذا الاسترجاع وجب أن يكون بحقّ وليس بباطل لكي لا نظلم أيّ طرف.. وهذا لن يحدث إلا بالتوقف عن كلّ نضال باطل أُريدَ به حق، فالغاية لا تُبرّر الوسيلة، ثم الرجوع للوراء والتأمل في عصر خير القرون والاستفادة من التجربة المحمّدية الناجحة والرائدة، التي بها سيكون التقدّم المرجو مُثمرا وحقيقيا .. ذاك التقدم الذي سيحفظ للمرأة والرجل حقوقيهما معاً، دون ان يتعدّى احدهما على الآخر.
أقول كما قال د.عبد الكريم بكار في أحد مؤلفاته: "لنتقدم نحو "الوراء" كي نتفقد ما خسرناه عبر السنوات الأخيرة، وكي ننهل من مسيرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وسير عظماء هذه الأمة ما يعيننا على التخلص من (الغفلة) التي اجتاحت عقولنا ونفوسنا، وألحقت بنا أعظم الأضرار."

وأخيرا ..

هلاّ تصالحنا فيما بيننا رجالا ونساءً..
هلاّ تراجعنا عن نضالات زائفة تزيد العلاقة بين الرجل والمرأة شحنا واحتقانا ؟!
متى نعود لدين أشرقت بأنواره الدنيا ولهَدْي لم يُنصِف منهجٌ ولا قانونٌ الرجال والنساء معا كما فعل هديُ محمّدٍ (صلّى الله عليه وسلّم) ؟!

bottom of page